محمد حسين هيكل
32
حياة محمد ( ص )
« فلمّا فرغ من أمر مسيلمة ، في حروب الردّة ، كانت مذبحة اليمامة قد أتت على كثير من المسلمين ومن بينهم عدد كبير من خير حفّاظ القرآن ، هنالك ساورت عمر المخاوف في أمر الكتاب ونصوصه وما ربما يعلق بها من ريبة إذا أصاب المقدور من اختزنوه في ذاكرتهم فماتوا جميعا . إذ ذاك توجه إلى الخليفة أبي بكر بقوله : « أخشى أن يستحرّ القتل كرّة أخرى بين حفّاظ القرآن في غير اليمامة من المغازي وأن يضيع لذلك كثير منه . والرأي عندي أن تسارع فتأمر بجمع القرآن » . وأقرّ أبو بكر هذا الرأي ، وأفضى برغبته في إنفاذه إلى زيد بن ثابت كبير كتّاب النبي وقال : « إنك رجل شابّ عاقل ولا نتّهمك . كنت تكتب الوحي لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فتتّبع القرآن فاجمعه » . وإذ كان هذا العمل حدثا غير متوقع فقد اضطرب زيد بادئ الرأي ، وخامره الريب في صلاحية الإقدام عليه ، بل في مشروعيته . فلم يقم به محمد نفسه ولم يأمر أحدا بالقيام به . على أنه انتهى إلى النزول على ما أبدى أبو بكر وعمر من رغبة ملحّة . وجهد في جمع السور وأجزائها من كل جانب ، وحتى لقد جمع ما كان منها على ورق الشجر وعلى الحجر الأبيض وفي صدور الرجال . ويضيف بعضهم أنه جمع كذلك منها ما كان على الورق وعلى الجلد وعلى عظام الكتف والضلع من الإبل والماعز . وظفرت جهود زيد المتصلة خلال سنتين أو ثلاث بجمع هذه المادة كلها وترتيبها على النحو الذي هي عليه اليوم ، وعلى النحو الذي كان زيد يتلو عليه القرآن في حضرة محمد فيما يقولون . فلما كملت النسخة الأولى عهد بها عمر إلى صيانة حفصة ابنته وزوج النبي . وظل هذا الكتاب الذي جمعه زيد قائما طيلة خلافة عمر على أنه النص الصادق الصحيح . « على أن الخلاف لم يلبث أن بدأ في طريقة التلاوة ، ناشئا إما عن الخلاف السابق لنسخة زيد ، وإما عن تحريف تسرّب إلى النسخ التي نقلت عن نسخته . وفزع العالم الإسلامي لذلك أيّما فزع . فالوحي الذي نزل من السماء « واحد » فأين الآن وحدته ؟ ولقد حارب حذيفة في إرمينية وفي أذربيجان ولاحظ اختلاف القرآن عند السوريين عنه عند أهل العراق ، فجزع لتعدّد ذلك ولمبلغ ما بينه من خلاف ، إذ ذاك فزع إلى عثمان كما يتدخل « ليقف الناس حتى لا يختلفوا على كتابهم كما اختلف اليهود والنصارى » . واقتنع الخليفة . وليدفع الضرّ لجأكرّة أخرى إلى زيد بن ثابت وعزّوة بثلاثة من قريش . وجيء بالنسخة الأولى من حيازة حفصة ، وعرضت القراءات المختلفة من أنحاء الإمبراطورية ، وروجعت كلها بأتم عناية للمرة الأخيرة . ولقد كان زيد إذا اختلف مع زملائه القرشيين رجح صوت هؤلاء أن كان التنزيل بلسان قريش ، وإن قيل إن الوحي على سبع لهجات مختلفة من لهجات العرب . وأرسلت نسخ من هذا المصحف بعد تمام جمعه إلى جميع الأمصار في الإمبراطورية ، وجمع ما بها من سائر النسخ بأمر الخليفة وأحرق . وردّت النسخة الأولى إلى حيازة حفصة . « ووصل إلينا مصحف عثمان . وقد بلغت العناية بالمحافظة عليه أنّا لا نكاد نجد - بل لا نجد - أي خلاف بين النسخ التي لا عداد لها ، والمنتشرة في أنحاء العالم الإسلامي الفسيحة . ومع ما أدى إليه مقتل عثمان نفسه بعد ربع قرن من وفاة محمد ، من قيام شيع مغضبة ثائرة زعزعت ولا تزال تزعزع وحدة العالم الإسلامي ، فإن قرآنا واحدا قد ظل دائما قرآنها جميعا . وهذا الإسلام منها جميعا لكتاب واحد على اختلاف العصور حجة قاطعة ، على أن ما أمامنا اليوم إنما هو النص الذي جمع بأمر الخليفة السيء الحظ . والأرجح أن العالم كله ليس فيه كتاب غير القرآن ظل ثلاثة عشر قرنا كاملا بنصّ هذا مبلغ صفائه ودقّته . والقراءات المختلفة قليلة إلى حدّ يثير الدهشة . وهذا الاختلاف محصور أكثر أمره في نطق الحروف المتحركة أو في مواضع الوقف ، وهذه مسائل أبدعت في تاريخ متأخر ، فلا مساس لها بمصحف عثمان .